ابن عربي

149

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

العلم والحياة اللتين هما أشرف الصفات . [ في ( قست قلوبكم ) ] أما وصفه تعالى لقلوب من كفر من بني إسرائيل بقوله : « أَشَدُّ قَسْوَةً » فإن الحجر لا يقدر أن يمتنع عن تأثيرك فيه ، والقلب يمتنع عن أثرك فيه بلا شك ، فإنه لا سلطان لك عليه ، فلهذا كان القلب أشد قسوة أي أعظم امتناعا وأحمى ، وإن أحسنت في ظاهره ، فلا يلزم أن يلين قلبه إليك فذلك إليه ، فالصعب قلوب أشد قساوة من الحجارة ، فإن الحجارة تكسرها وتكلسها النار ولا تلينها . وأما قوله تعالى : « وَإِنَّ مِنْها » يعني من الحجارة « لَما يَهْبِطُ » الهبوط سقوط بسرعة عن غير اختيار « مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » فوصفها بالخشية وهذه الآية تدل على أن اللّه أخذ بأكثر أبصار جنس الإنس والجان عن إدراك النفوس المدبرة الناطقة التي تسمى جمادا ونباتا وحيوانا ، وكشف لبعض الناس عن ذلك ، فإن الخشية المنعوت بها الأحجار هي التي أدتها إلى الهبوط ، وهو التواضع من الرفعة التي أعطاها اللّه ، فإنه لما وصفها بالهبوط علمنا أن الأحجار التي في الجبال يريد ، والجبال والأوتاد التي سكن اللّه بها ميد الأرض ، فلما جعلها أوتادا أورثها ذلك فخرا لعلو منصبها ، فنزلت هذه الأحجار هابطة من خشية اللّه لما سمعت اللّه يقول : « تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » والإرادة من صفات القلوب ، فنزلت من علوها ، وإن كان بربها ، هابطة من خشية اللّه حذرا أن لا يكون لها حظ في الدار الآخرة التي تنتقل إليها ، وأعني بالدار الآخرة هنا دار سعادتها ، فإن في الآخرة منزل شقاوة ومنزل سعادة « وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » فإن اللّه ليس بغافل فإنه معنا في جميع المحافل - تفسير من باب الإشارة : « ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً » والقسوة هو ما ينبغي أن تتطهر منها القلوب من النجاسات كانت ما كانت ، فإن منها المأخوذ بها والمعفو عنها « وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ » وهي من القلوب العلوم الغزيرة الواسعة ، وتفجرها خروجها على ألسنة العلماء للتعليم في الفنون المختلفة « وإن من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء » ، وهي القلوب التي تغلب عليها الأحوال فتخرج في الظاهر على ألسنة أصحابها بقدر ما يشقق منها وبقدر العلم الذي فيها ، فينتفع بها الناس ،

--> أَشَدُّ قَسْوَةً » يقول أقوى في الصلابة من الحجارة ، قال تعالى ( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) وذلك لمعرفته بقدر ما أنزل عليه ، وما زالت بنو إسرائيل